Notes

استراحة العاصمة

بعض الفرضيات

بعض الفرضيات عقلك الال واعى فى حالة انتباه و تخزين على الدوام إدراكك للوقت يختلف بين الحقيقة و األحالم

استراحة العاصمة

كان الجو مظلما ،و شعاع ضوء خافت يتسرب من فوقه حسب موضعه ،لكنه ال يدرى أى االتجاهات فوقا ،و أيها تحتا .الضوء الخافت ال يمكنه من الرؤية ،يشعر برطوبة حوله ،و أنفاسه يلتقطها بصعوبة .تعذر عليه التحكم فى أطرافه لما يلف جسده و يقيده ،فكان صعبا أو شبه مستحيل .ضربات قلبه مستعرة .ظنها حالة الجثوم التى أتته كثيرا قبل أن يأتيه صوت هز فضاء الصمت من حوله. = مرحبا بك فى استراحة العاصمة! استدار سريعا و ابتعد خطوة للوراء قبل أن يتلو المعوذتين و آية الكرسى... = صدق هللا العظيم ،ال تخف لست بشيطان من شياطين الجن .و حتى تطمئن أكثر ،أنا و أنت و جهان لعملة واحدة .اآلن من فضلك ال تثر تساؤالت كثيرة ال طائل منها ،فليس أمامنا متسع من الوقت ،و علينا إنجاز الكثير من العمل .أربع دقائق هى كل ما لدينا ...و أشار اللى الساعة المعلقة فى الهواء خلف الماثل أمامه. نظر الرجل إلى الساعة التى أشار إليها المضيف و تنبه إلى حركة عقارب الساعة ...كان عقرب الثوانى بطيئا للغاية ،يكاد من بطئه ال يتحرك. استرعى المضيف انتباه الرجل مرة أخرى :آه ،أرجوك هدئ من روعك قليال ...أنت تجعل المكان غائم. فرد عليه :أنا هادئ بالفعل! = هل أنت متأكد؟ رمقه الرجل بنظرة مفادها :و ما علمك بهدوئى؟ فهم المضيف ما عنته مالمح الرجل ،فأعرب عن فهمه بهمهمة متبوعة بإمساكه ذقنه بقبضة يده ذات األظافة النظيفة و تمتم سريعا :انفصال فى االرتباط الحسى ...و بخطوات سريعة مستقرة و متزنة ،اتجه صوب الرجل مخبرا إياه أن ال يقلق إذ سيصلح الخلل فى الحال .و قبل أن يتراجع ،وضع المضيف يده اليمنى على صدره و أمسك رأسه باليسرى و أماله إلى الوراء لينقلب المنظر رأسا على عقب ،و كالعجلة الدوارة ،أخذت الصورة فى االستدارة المتوالية السريعة التى تثير الغثيان عدة مرات قبل أن تستقر مجددا على ما كانت عليه. صاح الرجل :ماذا فعلت يا هذا ،قلبى يخفق بشدة! رد المضيف :لقد كان هناك خلل فى االتصال الحـ ....لقد أصلحت المشكلة سيدى .و اآلن ،هال هدأت من روعك ،ال أحب العمل فى الطقس الغائم. و قبل أن يفتح الرجل فاها ،قال :أغمض عينيك ،ستجد سلما أمامك لألسفل ،خمس درجات عدها عكسيا حتى تصل لألرض ،و عندها فكر فى شىء يبعث على الهدوء .زهور ،عصافير ،أو حتى نسمات رقيقة تداعب أوراق الشجر فى الربيع ...أى شىء، هيا! أريد فهم ما يحدث هنا بحق الجحيم!أظهر المضيف مالمح االمتعاض ،ثم تحولت مالمحه للهدوء مرة أخرى. = سيدى ،من فضلك هال وثقت فى... كان قلبه مستعرا على وشك االنفجار من شدة ضرباته و أنفاسه المتالحقة غير المنتظمة ،فلم يكن أمامه سوى االنسياق خلف هذا الغريب صاحب الغريب .و لما فتح عينيه ،رأى معالم المضيف مشرقة كإشراق الجو من حوله. = رائع! يا له من طقس رائع! تنبه بعدها إلى عودة قلبه للعمل فى هدوء ،ناهيك عن اعتدال درجة الحرارة و توقف المطر وانسياب نسمات الهواء الناعمة. = و اآلن ،ليبدأ العمل – و فرقع بأصابعه ،فانفلقت الصورة أمامه ،و شق فراغ أسود البياض حوله مكونا نافذة لها ضلفاتان، نافذة بيضاء إطارها أسود .و لما انفتحت ،تحول كل حوله ،و اختفى المضيف ،و وجد نفسه ناظرا من السماء وسط السحب و الغيوم إلى تلك البيوت المكتظة المتراكبة كأنها المكعبات ،و رؤيته كانت ثاقبة واضحة ال خلل فيها و ال عيب.

النافذة الأولى

اجتذبه صراغ الطفل الذى شق سكون الليل ،فوجد نفسه أمام نافذة منزل ينظر خاللها لطفل فى العاشرة من عمره ،ينهال عليه والده بصفعات متكررة ،و لم يلبث حتى خلع حزامه من بنطاله و أخذ يجلد الفتى و هو يسب و يلعن .أخبره أن هذا جزاءه لع ودته دون إتمامه جمع الخمسين جنيه من بيع المناديل على شاطىء البحر يومها .و الطفل يئن و يبكى غير صارخ من شدة اإلعياء ،إما من الجلدات المتكررة ،أو من خوفه الفطرى من الموت .أو ال هذا و ال ذاك ،و إنما تذكره معاملة اآلباء أبنائهم على الشاطىء اللعين أشعلت الحسرة فى نفسه على ما كان من حظه. حاول جاهدا أن يخلص الصبى الموشك على السقوط فى بئر النسيان من يد الخنزير عديم الضمير ،فصاح ما صاح ،و طرق الباب ما طرق ،بحث عن المضيف و لم يجده ،و حاول كسر النافذة لكن من دون جدوى. نظر حوله ليستنجد بأحد فى تلك الليلة الغابرة ،رأى رجال يمشى فى الشارع ،فاتجه إليه سريعا ،صائحا ،مستنجدا ،متعلقا بشباك األمل الزائف ،و فى اللحظة التى توقف أمامه ،و جده يعبر من خالله ،و كأنه سحابة دخان غير مرئية ...ال أحد يراه .ال أحد يسمعه .ال أحد لنجدة المقهور! خرج الطفل من باب المنزل ،باكيا ،مرتعدا ،يكاد يصلب طوله ،تكاد تنظر إليه فتغضب بدل أن تشفق .جرى ناحيته ،و لما اقترب منه ،تالقت أعينهما .إنهما يريان بعضهما البعض .رأى فى عينيه الجحيم متمثال فى تلك النظرة الحادة الغاضبة التى تريد نزع أحشاء الخنزير مدعى األبوة ،ممزوجة باالنكسار و الضعف و قلة الحيلة .و لما أطال النظر فى عينيه ،صرخ الرجل من شدة األلم .شعر بصفعات تلطم وجهه و ثعبان أعمى يعض ما تفرق من مواضع فى جسده و خط التقاء العينين مازال متصال...

لماذا لم تشرق الشمس؟ لماذا لم يهدأ البحر قرب الشاطئ؟

تبخر المشهد و من الدخان الكثيف الخانق ظهر المضيف أمامه واقفا ساكنا. = مرحبا بعودتك .أستشف من مالمحك أنها كانت رحلة موفقة! أى رحلة يا هذا ،هناك ...كان الفتى على وشك الموت.= لكنه لم يمت. يا ملعون ،أال يوجد فى قلبك رحمة؟ – و همّ فى وهلة ناحية المضيف ،و أمسك بعنقه ليخنقه .لكنه لم يبد أية مقاومة ،بلرمقه بنظرة إزدراء غير مبالية ،و أشار إلى الساعة مجددا... = أنت تزيد األجواء حرارة ،بغضبك هذا! اللعنة على الجو ،اللعنة على الساعة ،ما هذا الذى أريتنيه؟ من أنت؟ من هذا الفتى المغصوب؟ ما هذا المكان؟ الخنزيراللعين ،سأقتله! األلم ...لقد شعرت به ينهش لحم جسدى! = هممممم ،يبدو أنك قاسيت األمرين هناك .رأسك مشتتة .دعنى أعينك على ترتيبها قليال ،أخبرتك قبال ،هذه األسئلة ال طائل منها هنا .السؤال األولى هو من أنت؟ -ماذا تقول أيها الخرف؟! من أنا؟ أنا...

غريب هو عقل المرء

غريب هو عقل المرء فى بحثه و سعيه ،ملعون دائما بلعنة الشرطى الصياد ،يبحث فى كل حدب و صوب عن إجابة ،عن طريق ،عن وسيلة ،أو حتى عن سؤال ،و يأبى النظر أسفل أنفه

= ها ...أخبرنى ،من؟ أنا ...أنا ال أذكر – و صاح فجأة :ماذا فعلت بى ،ثم اعتاله الخوف ،و غام الجو مجددا.= ها نحن ذا... -و بقلق فاضح :أنا الخنزير اللعين؟

= أخبرنى عن آخر صورة ترن الجرس فى ذاكرتك. تاه لوهلة حتى تذكر :ظلمة قاتمة ،ظلمة باردة ،كنت مرعوبا ،رأيت أحدهم ،كان عظيما و من ثم غمرتنى راحة غامضة.= ال شىء قبلها؟ ال ،ال يوجد أى شىء!تحرك المضيف إلى جانبه ،و ربت على كتفه ،و قال :دعنى أعيد لك الذاكرة ،ثم فرقع بأصابعه!

الذاكرة

و بإيقاع طائش توالى األبيض و األسود حتى استقر الظالم ،ثم أضاءت نجمة بعيدة و أخذت فى االقتراب حتى ارتسم شريط من الصور يمر أمامه فيبكى و يغضب ،و يبتسم و يضحك ،و يخاف و ينهار .يشعر بالخفة تارة و بالثقل أخرى ،بالهيمنة و العجز بالقوة و الضعف .فأصبح منهك القوى ،غير قادر على مقاومة غرقه فى بحر الذكرى ،فاستسلم لها كلية و تدفقت لسائر خالياه فغمرتها. كان فتى محدود القدرات لوالد نطع حشاش و أم مغصوبة على أمرها بعرف المجتمع ،أخرجه والده من المدرسة لما أتم السابعة .أخبره يومها عن سعادته الغامرة؛ إذ أصبح رجال يعين البيت على اقتناء الطعام .سلمه كيس مناديل و ذهب به للشاطئ الممتد من غربى المدينة إلى شرقيها و أمر الصبى أن يجمع عشرين جنيها من بيع المناديل و يعود بما تبقى منها ليكمل بها مهمته فى اليوم التالى .علمه كيف يتصنع المسكنة ليلمع فى عين الزبون فيشترى منه .عرفه بكم يبيع و أخبره كيف يعود للمنزل لما ينتهى من مهمته ،ثم أطلقه بين الماء و الرمال و الهواء ليصول و يجول .أشفق عليه البعض فاشتروا منه ،و نهره آخرون ،سبه البعض و كاد أن يضربه آخرون .حاول االقتراب من صغار البائعين ،ففتكوا به و أخذوا ما جمعه من مال و بضاعته فتسول ليعود لوالده شاكيا باكيا يجر ذيول الخيبة و المهانة .فصاح فيه "يا ابن الـ..." .و بين فقدان البضاعة و ديون اللعب و قرش المزاج فقد الوالد صوابه ،و انهال على ابنه بلكمات متفرقة تركته طريح الفراش ينحب طوال الليل حتى غفى من آالمه الخارجية و الداخلية .أرادت األم أن تمنع عنه ،لكنها خاف أن يصيبها ما يصيب ابنها فامتنعت. ورث قلة الحيلة من أمه؛ إذ زوجها أبوها غصبا ليخلص من همها فرضت بحالها .لقنتها أمها يوم عرسها أن تطيع زوجها اتقاء لشر الرجال و ما قد يصيبها منه ،فامتثلت لكالمها .فرض عليها دق أبواب البيوت و رن أجراسها لتأخذ نصيبها من صدقات الفقراء بدل أن تعمل فى البيوت و حجته فى ذلك "ال تكشف امرأتى على أغراب" .و فى يوم علم بعصيانها أوامره ،لسعها علقة لم يأخذها حمار فى مطلع ،فتابت إلى هللا و إلى بعلها.

يتمادى الطاغى فى طغيانه بإذعان من ولى عليهم

كانت له أخت فى السادسة عشر من العمر تعانى من تأخر فى العقل ،زوجها إلى شيخ فى الستين أو قل باعها لقاء المال ،و لما مات عادت إليه .فأسر إليه شيطانه بتلك الفكرة .رجل فى الستين ،و رجل فى الثمانين و آخر فى األربعين .و إذا لم يمت الزوج بعد عام ،افتعل األفاعيل و طلقها .و بين الموت و الطالق تعود إلى بيتها مؤقتا إلى أن يجد لها بيت آخر .و فى ذلك الوقت ،كانت ترعى أخاها بدل أمه. كان يتخلص من قلة حيلته تدريجيا قبل تلك الليلة لما كان فى العاشرة .و فى أثناء رحلته على شاطئ البحر يومها ،التقى شابا هادىء الطباع عامله بلطف و أكرمه بما يفيض على ثمن الكيس .و قبل أن يذهب ،لمح الخدوش على وجه الفتى ،فسأله عن سببها ،فأجابه "أبويا" .فأخذه من يده على قسم الشرطة ،و قدم بالغا ،حرره أحد العساكر و طمأن الشاب و أخبره أن ينصرف .كان العسكرى يعرف والد الفتى ،فأخبره ما جرى ،فتصنع الوالد الندم و أخذ ابنه و غادرا و كأن شيئا لم يكن .و لما عادا للبيت ،فعل به ما فعل .ليلتها اتخذ الفتى قراره بالهرب .لكنه لم يتمكن من ذلك حتى أتم الثامنة عشر .انضم لجماعة من عمال البناء ،أخبرهم عن حاله و حال أبيه ،وادعى موت والدته و أن ال أشقاء له ،فرأفوا بحاله ،و سافر معهم .و بمضى األيام حن قلبه على اخته قبل أمه ،فاستأذن من صاحب المحجر ليطمئن على أهله.

و لما عاد ،لم يقترب من البيت ،بل تساءل بين الناس عما حل بذويه فوجد أباه على حاله ،و أمه الشحاذة على حالها ،أما أخبار أخته فنزلت عليه بالصاعقة .الخنزير يؤجرها بالليلة .فارت دماؤه و لم يدر ما يفعل .شعر بالذنب و األلم .لو لم يهرب ما حل بها ما قد حل.

ليلتها ترصده و هو عائد من الغرزة ،و انقض عليه و كتم أنفاسه قبل أن يصرخ ،أخبره "أنا ابنك" ،و غمد سكينا فى قلبه و هو ينظر إلى عينيه تنطفئان تدريجيا .ثم هرع إلى البيت القديم ،ليأخذ أمه و أخته .و لما سألت األم "و أبوك؟" رد عليها " لن يأتى بعد اليوم" .اصطحبها لصاحب المحجر ،و أخبره بفعلته و قراره تسليم نفسه .حاول الرجل منعه و لم يستطع .و أصدرت المحكمة حكمها بتحويل أوراقه لفضيلة المفتى...

العشاء الأخير

= ها قد عدت مجددا .هل عادت ذاكرتك إليك؟ و ليتها ما عادت...= هل عرفت من أنا؟ أنت أنا..= ليس بالتحديد ،لكن ال بأس ،انتظر لحظة سأنهى عملى – و خط بضعة بضعة خطات فى الورقة ثم لفها و أحكم إغالقها. هيا أخبرنى من أنت؟= أنا عقلك الالواعى ،مهمتى األساسية تخزين ما يحدث معك على الدوام ألعد هذا التقرير يوم موتك ،و أرفعه إلدارة العاصمة التخاذ قرار بشأنك فيما يتعلق بحياتك األخرى. نظر إلى الساعة مرة أخرى ،كانت قد تبقت خمس ثوان .ففرقع بأصابعه مجددا. ماذا مجددا؟= ال تقلق... سقطت طاولة من السماء محملة بأفخم أنواع الطعام. لعبة أخرى؟= ال إنه عشاؤنا األخير ،هيا اجلس. جلس الرجل و أمامه المضيف على رأسى الطاولة ،و بدآ فى األكل... ماذا سيحدث لو لم تسلم تقريرك؟أطلق المضيف ضحكة صاخبة رجت أرجاء المكان ثم قال :قد تفلت من حكم إدارة العاصمة! لمعت عينى الرجل و بدأ يفكر ...وعلى المقابر صاح أحدهم " رحم هللا قاتل أبيه ،لقد كان شريفا".

خاتمة

توقفت العصافير عن الغناء و انطفأت النجوم و بين دوافع األب و دوافع االبن ،وقفت عدالة الرحمن المخلدة!